باحث اقتصادي يشكك في صمود اي اتفاق هش في صرف مرتبات الموظفين        تصاعد خروقات الهدنة في مارب        صنعاء ترد بقسوة على “الرباعية” الدولية        صفقة ألمانيا مع الإمارات تلفت الأنظار إلى غاز اليمن      
    اقتصاد /
"أثر الحرب الروسية الأوكرانية على ازمة الغذاء في اليمن "

2022-04-30 00:13:41


 
اعداد : رشيد الحداد
اذا كانت الاحتياجات الأساسية للإنسان على وجه الأرض تمثل في الغذاء والكساء والمأوى والدواء، فإن الغذاء يمثل أولويات تلك الاحتياجات، لما يكتسبه من أهمية بالغة لاستمرار حياة الانسان ونموه، وبدونه يفنى، في اليمن يعد القمح اهم السلع الاستراتيجية المرتبطة بالبقاء أن لم نقل إن هذه المادة تحولت إلى اهم مادة نتيجة تغيير نمط الاستهلاك المحلي من استهلاك الحبوب الأخرى كالذرة الحمراء والبيضاء والدخن والغرب، ولذلك اصبح القمح سلعة أساسية ومكون رئيسي في الوجبات الغذائية للمجتمع اليمني بمختلف شرائحهم ، وفي ظل انخفاض انتاج هذه السلعة الهامة والأساسية للعيش محلياً ، وتعرض الإنتاج المحلي للقمح لمؤامرة من قبل دول الاستكبار العالمي التي حاولت أن تحول المجتمعات العربية والإسلامية ومنها اليمن إلى مجتمع مستهلك ، لتكرس التبعية الاقتصادية على المنطقة ، لذلك أصبح الاقتصاد اليمني من الاقتصاديات الأشد حساسية بالأزمات الخارجية وخاصة فيما يتعلق بأزمات الغذاء ، كحال العديد من الدول العربية والتي البعض منها تمتلك إمكانيات كفيلة بتحقيق امن غذائي في مستوى قياسي كمصر مثلاً.
خطورة ازمة الغذاء في اليمن مرتبط بالحبوب وخاصة سلعة القمح الذي تصل الفجوة الغذائية بين الإنتاج المحلي والاحتياج من هذه السلعة اكثر من 90%، يتم تغطيتها من الأسواق الأجنبية ، إذا تستورد اليمن قرابة 3,8 مليون طن من القمح الأجنبي " الأمريكي ، الأسترالي ، الاوكراني ، الكندي " ، وفوق ذلك ما يساوي 750 ألفاً من الذرة الشامية، وأكثر من 159 ألف طن فول الصويا المستخدم كأعلاف للدواجن، وبينما كانت تقدر تكلفة الاستيراد للحبوب خلال السنوات الماضية عندما كانت الأسواق العالمية تشهد استقرار نسبي في المعروض من القمح بقرابة ملياري دولار سنوياً، الأمر الذي يوجب الانتقال تدريجياً من استيراد القمح إلى الإنتاج المحلي والاستفادة من التنوع المناخي وكافة العوامل الدافعة إلى رفع مستويات انتاج القمح محلياً للحد من الهوة الواسعة في الامن الغذائي اليمني "1" .
الحرب الروسية الأوكرانية واثرها على استقرار القمح عالمياً.
منذ الوهلة الأولى لتصاعد التوتر بين روسيا وأوكرانيا تصاعدت مخاوف عدد من الدول العربية من انعكاسات الازمة على أسواق القمح وكذلك عكست التقارير الصادرة عن منظمة الزراعة والأغذية " الفاو" مخاوف المنظمة من الاثار السلبية للازمة قبل ان تتطور إلى حرب طاحنة على استقرار الأسواق العالمية للغذاء بالأزمة ، كون روسيا وأوكرانيا لاعبان أساسيان في سوق السلع العالمية، حيث تنتج روسيا حوالي 10% من القمح العالمي بينما تنتج أوكرانيا 4% ، ووفقا لعدد من التقارير الدولية فإن إنتاج البلدين معًا تقريبًا بحجم إجمالي إنتاج القمح في الاتحاد الأوروبي ، وتشكل صادرات روسيا وأوكرانيا 29% من صادرات القمح العالمية، و19% من صادرات الذرة، و80% من الصادرات العالمية لزيت دوار الشمس.
ففي عام 2020، شكلت روسيا 18% من صادرات القمح، وأوكرانيا 8%.، وبالمثل يعتبر كلا البلدين أيضًا من اللاعبين البارزين في صناعة الذرة، حيث ينتجان معًا ما يوازي 4%. ومع ذلك، تعد مساهمة أوكرانيا وروسيا أكثر أهمية في الصادرات، حيث تمثل 14% من صادرات الذرة العالمية في عام 2020. كما أن كلا البلدين من بين المنتجين والمصدرين الرئيسيين لزيت عباد الشمس، ففي عام 2020،"3 "
قبل الازمة الروسية الأوكرانية، اكدت منظمة "الفاو" في تقاريرها الشهرية ارتفاع أسعار السلع الزراعية العالمية، ففي يناير 2022، وبلغ متوسط مؤشر الفاو لأسعار الغذاء 136 نقطة بزيادة 1% عن ديسمبر/ 2021 - وهو أعلى مستوى منذ أبريل/ 2011. وكانت الزيوت النباتية ومنتجات الألبان هي أساس الزيادات، ووفقاً لتقارير الفاو فان الأسواق الدولية شهدت ارتفع في أسعار عدد من السلع الأساسية قبل الازمة الروسية الأوكرانية نتيجة تراجع الإنتاج العام الماضي، وقالت ان الارتفاع في الأسعار الدولية شملت في الذرة (21%) والقمح (35%) وفول الصويا (20%) وزيت عباد الشمس (11%)، حيث ارتفعت عن الفترة المماثلة من العام الماضي ، رغم ان المنظمة قالت ان الأسعار كانت مرتفعة بالفعل في 2021 ، نتيجة تأثيرات جائجة كوفيد 19 الذي اثر على الإنتاج الزراعي خلال العام 2020 "4" .

الإنتاج الزراعي لروسيا واوكرنيا .
طبقاً لتقارير منظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة" الفاو"، فان انتاج العالم من الحبوب يصل سنوياً ما بين 2,5 مليون طن و2,8 مليون طن من الحبوب في جميع أنحاء العالم ، ووفقاً لخارطة الدول المنتجة للقمح ، وقائمة أكبر الدول المصدرة للقمح ،وبيانات الدول الأكبر مستوردة ، تبين ان روسيا تحتل المرتبة الثالثة في انتاج القمح بعد الصين والهند وتحتل المرتبة الأولى في قائمة الدول المصدرة للقمح " 5 "
أكبر منتجي القمح عالمياً خلال
"2020 و 2021"
أكبر الدول المصدرة للقمح
أكبر الدول المستوردة للقمح

. الصين 134 مليون طن.
الهند 108 ملايين طن
. روسيا 85 مليون طن
. أمريكا 50 مليون طن
. كندا 35 مليون طن
أستراليا 33 مليون طن
باكستان 26 مليون طن
. أوكرانيا 25 مليون طن
. تركيا 18 مليون طن
. الأرجنتين 18 مليون طن
إيران 15 مليون طن
كازاخستان 14 مليون ط
. بريطانيا 10 ملايين طن
. مصر 9 ملايين طن.
البرازيل 6 ملايين طن
. روسيا 7.9 مليار دولار أميركي (17.6% من إجمالي صادرات القمح العالمية)
. أميركا 6.32 مليار دولار (14.1%)
. كندا 6.3 مليار دولار (14%)
. فرنسا 4.5 مليار دولار (10.1%)
. أوكرانيا 3.6 مليار دولار (8%)
.أستراليا 2.7 مليار دولار (6%)
. الأرجنتين 2.12 مليار دولار (4.7%)
. ألمانيا 2.1 مليار دولار (4.7%)
. كازاخستان 1.1 مليار دولار (2.5%)
. بولندا 1 مليار دولار (2.3%)
. رومانيا 948.8 مليون دولار (2.1%)
. ليتوانيا 910.7 مليون دولار (2%)
. بلغاريا 699.2 مليون دولار (1.6%)
. لاتفيا 649.2 مليون دولار (1.4%)
المجر 630.6 مليون دولار (1.4%)
مصر 12.1 مليون طن. إندونيسيا 10.4 مليون طن
. تركيا 8.1 مليون طن. الجزائر 7.7 مليون طن
بنغلاديش 7.2 مليون ط
. نيجيريا 6.6 مليون طن
. البرازيل 6.4 مليون طن
. الفلبين 6.1 مليون طن
. اليابان 5.5 مليون طن
. المكسيك 4.7 مليون طن

المصدر ، أكبر المصدرين والمستوردين وأهم المنتجين للقمح في العالم، وكالات

 

اثار الحرب الروسية الأوكرانية على أسعار القمح على اليمن.
تشير الأرقام إلى أن الدول العربية بشكل عام، تحصل على ما نسبته 25% من صادرات القمح العالمية، تستورد اليمن منها يستورد 2.3% من مجموع الصادرات العالمية للقمح ، وتتصدر مصر قائمة الدول العربية المستوردة ب 10.6% ، من مجموع صادرات القمح العالمية، ويبلغ حجم الاستهلاك السنوي 18 مليون طن، ثم تأتي الجزائر التي تستورد 3.3% من مجموع صادرات القمح العالمي، وتحتل المغرب المرتبة الثالثة الذي يستورد 2.05% من صادرات القمح العالمي، وتستورد السعودية بنسبة 1.6%، والسودان 1%، وفي المجموع، فإن الدول العربية تحتكر وحدها نحو 25% من صادرات القمح العالمية؛ مما يظهر حجم الاعتماد على الاستيراد للحصول على القمح.
وفيما يتعلق بحجم اعتماد الدول العربية على القمح الروسي والأوكراني، فإن اليمن يستورد فيحصل على القمح من روسيا واكرانيا بنسبة 34% تقريبــا مــن احتياجهــا مــن القمــح مــن روســيا وأوكرانيــا وهــو مــا يســاوي ثلــث ســلة اليمــن مــن القمــح مــن هذيــن البلديــن، ووفقا لمصادر أخرى فان اليمن تستورد 4% من مجموع الصادرات الروسية ، ورغم ذلك فان تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية خيمت على أسعار القمح في العالم التي كانت قبل العام 2020 لا تتجاوز الـ 240 ـ 260 دولارً للطن الواحد من القمح الأمريكي والاسترالي ، وارتفعت متأثرة بتداعيات "كورونا "تدريجياً إلى 345 دولارً منتصف العام الماضي وضلت مستقرة في هذه الحدود لترتفع متأثرة بتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية إلى 450 ــــ 460 دولاراً للطن الواحد ، وهو ما يضاعف الضغط على العملات الاجنبية في السوق المحلي ويرفع فاتورة الاستيراد فعلى سبيل المثال كان استيراد 3 ملايين طن من القمح قبل عامين لا يتجاوز 750 مليون دولار ، اما في ظل الازمة الأخيرة ففاتورة الاستيراد لتغطية احتياج السوق المحلي من القمح والتي بلغ العام الماضي 3,8 مليون طن فيتطلب قرابة ملياري دولار ، سيما وان ورادات اليمن من الذرة والصويا والحبوب الأخرى ارتفعت ايضاً كما ذكرنا في مطلع هذه الورقة .
ومع استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا ، تصاعدت المخاوف في الأسواق الدولية من فقدان 20% من الإنتاج العالمي للقمح الموسم الجاري وخاصة بعد أن اصبح حصاد محصول القمح في أوكرانيا شبة مستحيل في ظل استمرار الحرب ، وهو مؤشر لانخفاض العرض العالمي من القمح خلال الأشهر القادمة ما قد يؤدي إلى ارتفاعات قياسية لأسعار القمح في الأسواق العالمية ، ويضاعف هذا الخطر المتوقع تسابق عدد من الدول المستوردة للقمح لعقد صفقات لشراء كميات كبيرة من القمح لتغزيز مخزونها الاستراتيجي بشكل لافت ، وقيام بعض الدول بعقد صفقات لشراء كميات القمح قبل الحصاد خلال الموسم الحالي ، وهو ما قد يفاقم ازمة القمح وينعكس سلباً على أسعار القمح والدقيق في الأسواق المحلية اليمنية خلال الفترة القادمة .
الوضع الحالي للاستقرار التمويني في السوق اليمنية .
حتى الأن لايزال الاستقرار التمويني لسلعة القمح في الأسواق المحلية مستقرة ، ووفقاً لتقارير حكومية ومنها بيان وزارة الصناعة والتجارة في صنعاء حول المخزون الاستراتيجي للقمح التي قالت انه يكفي لستة اشهر، فالمؤشرات ايضاً تفيد بان الوضع التمويني لهذه المادة مستقر وقد يستقر لأكثر من نصف عام ، في ظل تواصل سلسلة الإمدادات الغذائية من القمح ووصول كميات كبيرة من مادة القمح والذرة إلى مينائي الحديدة والصليف الذي لايزال يحتل المرتبة الأولى في استقبل كميات القمح المستوردة والتي بلغت العام المنصرم وفقا للإحصائيات ، 2,740,263 طن من إجمالي واردات اليمن العام 2021، التي بلغت 3,815,690 طن من مادتي القمح والدقيق ، كما استقبل ميناء عدن 1,043,355 طن من القمح والدقيق ليأتي في المرتبة الثانية بعد ميناء الحديدة ، بينما استقبلت موانئ المكلا ونشطون وسقطرى 32,072 طن .
ويتم استيراد القمح للأسواق المحلية من قبل 5 مجموعات تجارية كبرى على رأسها مجموعة هائل سعيد انعم التي تستحوذ على نسبة 54% من الحصة السوقية في السوق اليمني وتحتل قائمة الشركات التجارية المستوردة للقمح في اليمن ، يليها الشركة اليمنية للاستثمارات الصناعية بنسبة 17% ، والشركة اليمنية الدولية للصناعات الغذائية " الحباري " بنسبة 8% والشركة الوطنية لصوامغ الغلال بنسبة 5% ، وشركة صوامع ومطاحن عدن بنسبة 5% ، وتتوزع ست شركات صغيرة ما تبقي في قائمة الشركات المستوردة للقمح في اليمن ، اللافت للنظر ان اسهام المعونات الغذائية المقدم من المنظمات الدولية لم يتجاوز 1,3 % وفقاً للإحصائيات التي قالت أـن الإنتاج السنوي للقمح في اليمن بلغ 7% ، وهذه النسبة غير صحيحة في ظل ارتفاع الإنتاج المحلي للقمح وتوجه الدولة نحو توسيع رقعة زراعة القمح ، والتي يتوقع ان تتصاعد بشكل افقي وراسي خلال الأعوام القليلة الماضية في ظل توجه القيادة الثورية والقيادة السياسية في الجاد في كسر الحصار والحد من ازمة الامن الغذائي تدريجياً وصولاً إلى الاكتفاء الذاتي ، وذلك من خلال اللجنة الزراعية والسمكية العليا التي بذلت جهود كبيرة في ظرف قياسي في هذا الجانب.
الاستهداف الأمريكي للأمن الغذائي اليمني .
اكد لنا ان اليمن بلد زراعي وحتى وقت قريب لم تكن اليمن تستورد أي كميات من القمح والحبوب، والمجتمع اليمني مجتمع ارتبط تاريخياً بالزراعة والحراثة ، ولو عدنا قليلاً إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لوجدنا أن اليمن لم تكن تستورد أي كمية من القمح من الدول الأخرى ولم يكن هناك أي فجوة في الامن الغذائي، وكان مستوى الاكتفاء الذاتي من الحبوب بنسبة 100%، وهناك ايضاً فائضاً يتم تخزينه كامن غذائي في مخازن في كل محافظة ومديرية ، وأبان الحرب الباردة منذ مطلع الخمسينيات كانت أمريكا وفقاً للنظرية الرأسمالية التي كانت حينها تخوض مواجهة مع النظرية الاشتراكية ، وتحاول أمريكا أن تتفوق اقتصادياً على الاتحاد السوفيتي ، عملت على استهداف الامن الغذائي للشعوب واضعافها من خلال استهداف النمط الاستهلاكي للشعوب ومنها اليمن الشمالي حينذاك ، فتم استهداف الزراعة وتغيير نمط الاستهلاك المجتمعي الذي كان لا يستهلك القمح المستورد ويعتمد على ما تجود به الأرض من حبوب كالذرة بأنواعها والدخن وغيرها ، ولو عدنا إلى أواخر الخمسينيات والستينيات مثلاً وحتى السبعينيات لوجدنا أن استهلاك القمح كان محدود في المناطق الحضرية بينما كانت هناك ممانعة من قبل المجتمع الريفي لاستهلاك غذاء مستورد ، وكان من عادات وتقاليد اليمنيين وحرصهم على الأمن الغذائي أن يتم تأسيس مدفن الغذاء في كل منزل ، وكان هذا الجانب ثقافة ايضاً تعكس تمسك اليمني بنمط استهلاكة من الغذاء ، وثقافة استهلاك ترفض إحلال منتجات أجنبية محل المنتج المحلي الذي تفضله.
ووفقاً للمصادر التاريخية، فقد منحت أمريكا اليمن شحنة قمح مكونة من 14 ألف طن عام 1959، تلتها شحنات أخرى من القمح والدقيق كهبات وأخرى بأسعار رخيصة، ونتيجة للسياسة الأمريكية الهادفة إلى السيطرة على أسواق الدول النامية وتغيير الأنماط الزراعية والاستهلاك فيها، تصاعدت معدلات استهلاك القمح والدقيق الأمريكي ، وعملت أمريكا على تسويق منتجاتها من القمح بأسعار مخفضة ومنافسة لأسعار الحبوب المحلية وعلى رأسها القمح اليمني الذي عُرف باسم "البر المحلي" ، وكان استخدامه محدوداً في أعداد أنواع معينة من الخبز كون الاستخدام السائد كمكون أساسي للغذاء في اليمن كانت الحبوب الأخرى كالذرة بأنواعها ، تدريجياً نجح المخطط الأجنبي بتغيير نمط الاستهلاك لاستهلاك القمح المستورد وتفضيله على المنتجات المحلية من الحبوب، كالذرة الحمراء والبيضاء والغرب والدُّخن عالي القيمة الغذائية والذرة الشامية التي كان لها أولوية قصوى لدى المستهلك حتى سبعينيات القرن الماضي.
هذا التغيير في النمط الاستهلاكي للمواطن اليمني تزامن مع تغيير في الاهتمام بزراعة الحبوب التي كانت تحتل الصدارة في اهتمامات المواطن اليمني، ولذلك بلغت المساحات المزروعة بالحبوب منتصف السبعينيات 80 % ، وبعد مرحلة الرئيس الحمدي الذي اهتم بالتنمية الريفية وحوّل الريف اليمني إلى ورشة عمل مفتوحة ساهمت إلى حد ما بتوقف الهجرة الداخلية من الريف للمدينة.
تدخلت الدولة في عهد نظام علي عبدالله صالح في ثمانينيات القرن الماضي كداعم لتسويق ونفاذ القمح الأجنبي ، وقامت بدعم القمح الأمريكي المستورد بمليارات الريالات سنوياً وتم تحويل مؤسسة الحبوب التي أنشئت لتطوير الحبوب وتسويق الإنتاج المحلي من الحبوب إلى مسوّق للقمح الأمريكي إلى جانب المؤسسة الاقتصادية اليمنية .
هذا الدعم الذي كانت حكومات النظام السابق تقدمه خلال العقود الماضية، كان يحتل المرتبة الأولى قبل دعم المشتقات النفطية والصحة والتعليم والكهرباء، وارتفع مع إعادة تحقيق الوحدة اليمنية أضعاف ما كان عليه قبل الوحدة، ليبلغ دعم الدقيق والقمح المستورد عام 1995 م ، أكثر من 10 مليارات ريال وارتفع عام 96، أكثر من 34 مليار ريال ، وتسبب بعزوف المزارعين عن زراعة القمح المحلي وأدى إلى اتساع نطاق زراعة القات ، والتراجع في زراعة القمح والحبوب الذي تفيد الاحصائيات إلى انه تراجع بمقدار مليون طن .
وكان من آثاره أيضاً اتجاه معظم المزارعين إلى الاتكالية على القمح والدقيق الأمريكي المدعوم في الأسواق المحلية علي حساب الإنتاج المحلي من الحبوب ، ذلك الدعم المالي الكبير الذي تسبب بتراجع الإنتاج الزراعي من مختلف محاصيل الحبوب المحلية ، يندرج في إطار السياسات التدميرية التي نفذتها دول الاستكبار العالمي بواسطة الأدوات المحلية ، وهي سياسة اتبعتها أمريكا ليس في اليمن فحسب بل وفي بلدان عديدة.
لتصل المؤامرة إلى عقد اتفاقيات مع الحكومات السابقة جائرة تضمنت شروطا أمريكية على اليمن بعدم زراعة الحبوب ، ورغم أن حكومة عبدالكريم الإرياني عام 1999، اقرت رفع الدعم على القمح الأحمر بعد إلغاء الدعم عن القمح الأبيض عام 1997م ، تنفيذاً لتوصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، الا انها لم توجة جزء من ذلك الدعم الكبير نحو الاستثمار في زراعة وإنتاج القمح وتحفيز المزارعين لزراعة أصناف الحبوب الأخرى ، يقول خبراء أنه لو الأموال التي قدمتها الحكومات اليمنية منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي كدعم للقمح الأمريكي المستورد لو خصصت لدعم زراعة القمح المحلي لكانت اليمن في صدارة الدول التي تمتلك الأمن الغذائي اليمني "6" .
لذلك تؤكد العديد من الدراسات بان تدهور الزراعة في اليمن بشكل عام وخاصة انتاج الحبوب كان كان نتاج فشل رسمي، وفقاً لدراسة أعدتها الباحثة أروى البعداني، بعنوان "زراعة القمح في اليمن: التحديات والحلول والفرص المتاحة ، فان المشكلة تعتبر تراكمية وهي نتيجة للإهمال الرسمي لسنوات طويلة، حيث لم تعط الحكومات المتعاقبة الاهتمام الحقيقي لزراعة القمح ومواجهة الطلب المتنامي عليه في الأسواق المحلية، واكتفت بتغطية العجز في الطلب للقمح بالاعتماد على الاستيراد الخارجي ، وتفيد الدراسة، أن ذلك الأمر شكل أحد أهم أسباب تفاقم أزمة الغذاء وانعدام الأمن الغذائي بالبلاد، مما أدى لوقوع نصف سكان اليمن (24 مليون شخص) تحت تبعات انعدام الأمن الغذائي، بحسب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ، وتؤكد الدراسة أن السياسات التي انتهجتها الحكومات اليمنية المتعاقبة كان لها الأثر البالغ في تدهور الإنتاج المحلي للقمح بصورة خاصة.
بالإضافة أن السياسات الحكومية لم تشهد تنفيذ خطط استراتيجية مجدولة زمنياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي بحيث تحشد لها الموارد اللازمة والبرامج المناسبة لتحقيق اكتفاء ذاتي من الحبوب، لكنها اكتفت باتباع سياسة تحقيق الاكتفاء عبر الاستيراد الخارجي للقمح كخيار استراتيجي ضيق الأفق، متجاهلة بذلك المفهوم الأساسي للاكتفاء الذاتي بمجال الغذاء " 7ــ 8 ".
الإرادة السياسية للقائد الثورة.
في إطار هذه الورقة تم التطرق لسياسات الحكومات السابقة التي كانت أدوات تعمل لصالح دول اجنبية على حساب مصالح شعوبها، وبالعكس تماماً من الماضي، فإرادة القيادة الثورية والسياسية بعد ثورة 21 سبتمبر 2014، تؤكد أن اليمن يمضي نحو الاكتفاء الذاتي ، وتؤكد أن القطاع الزراعي يأتي في اوليات قائد الثورة ، السيد العلم المجاهد ، عبدالملك الحوثي ، حفضه الله ورعاه ، الذي يولي اهتماماً كبيراً بزراعة محصول القمح في محافظة الجوف، وتحويل الأراضي القاحلة إلى أراضٍ خضراء، وذلك دعماً للاقتصاد الوطني، وُصُـولاً إلى الاكتفاء الذاتي، وهو ما تطمح إليه القيادة ويتمناه الشعب اليمني
في محاضرة الرمضانية الـ22 للعام الهجري 1422، تحدث السيد القائد ، عن أهمية الإنتاج الزراعي في الظرف الحالي وفي كل الظروف، وتطرق إلى زراعة القمح والحبوب، كون القمح من السلع الاستراتيجية التي ترتبط بأمن الوطن واستقلال القرار الوطني، ودعا إلى تشجيع المزارعين وتقديم كل الخدمات لرفع مستويات الإنتاج المحلي من الغذاء ، ومن وحي محاضرة قائد الثورة ، وخلال لقاء قائد الثورة السيد عبد الملك الحوثي -بالعلماء للتهيئة لشهر رمضان الحالي ، تطرق إلى الاثار السلبية للحرب الروسية الأوكرانية على الأسواق المحلية ووصف الانعكاسات التي أدت إلى ارتفاع أسعار القمح والدقيق بنسب متفاوتة بالمصيبة والبلوي وقال " مشكلة في أوكرانيا واحنا نجوع في اليمن.. هذه خطأ.. يتساءل " هل؛ لأَنَّه ليس لدينا أراضٍ زراعية، يمكن أن تغطيَ احتياجَنا من القمح، ويجيب " بلى عندنا أراضٍ زراعية تغطي احتياجنا من القمح ويضرب مثالاً في اليابان المصنَّفة في الموقع الثامن عالميًّا في الإنتاج الزراعي، واليابان جغرافياً أصغر من اليمن، ولا يتملك سوى القليل من التراب لأنه ذات جذور بركانية.. ومع ذلك، هم في الموقع الثامن في الإنتاج الزراعي، ويضيف ونحن " الحمد لله لدينا الأراضي الزراعية الواسعة وبلدنا بأكثره زراعي من حَيثُ العمران، هناك فرصة للزراعة، وعندنا مساحات شاسعة جِـدًّا يمكن أن تزرع بالقمح وبجودة عالية جِـدًّا ).

 

المـصـادر /
المصدر / 1 ـ احمد المالكي ، 12 يونيو 2019 ، التوجه الجاد نحو الزراعة يمثل مرتكزاً رئيسياً للتنمية في اليمن ،صنعاء ، موقع الثورة نت ، http://althawrah.ye/archives/580805
2 ــ قائمة الدول حسب إجمالي إنتاج الحبوب ،، مجلس الحبوب الدولي (IGC) ، موقع المجلس 3 ــ قمح العالم فوق لهيب الحرب الروسية الأوكرانية، شبكة النباء، الأثنين 28 شباط 2022، تقرير ،ـ https://m.annabaa.org/arabic/development/30294
4 ـــ قمح العالم فوق لهيب الحرب الروسية الأوكرانية، المصدر نفسة .
5 ــ أكبر منتجي القمح عالمياً خلال "2020 و 2021"، موقع "وورلد توب إكسبورتس" المهتم بأخبار الصادرات العالمية، وكالات،
6 ــ رشيد الحداد، القمح الجيِّد والحقول المنسيِّة.. زراعة الحبوب في اليمن، صحيفة الثورة 2021
7 ــ - أروى البعداني، "زراعة القمح في اليمن: التحديات والحلول والفرص الكامنة"، جريدة (الثورة) اليمن. 2018.
8ـ اليمن: كيف تدهورت زراعة القمح ، 20 يناير 2019 ، موقع حلم اخضر .

،،، 

صحفي وخبير اقتصادي يمني  





جميع الحقوق محفوظه لدى صحيفة الوسط 2016 

التصيميم والدعم الفني(773779585) AjaxDesign