النتيجة الحتمية للتعاطي بخفّة مع حرب اليمن وعلاقته بتصاعد خلاف محسن هادي الذي انعكس على القيادات العسكرية        مرحلة كسر العظم في الصراع الخليجي ومحورية اليمن في ظل انكشاف ضعف الأطراف       الشمال والجنوب في ظل رئاسة صانعة للدسائس يقودها نجل موظف بدرجة رئيس        سكان صنعاء بين تطمينات القادة ومخاو ف وقائع تشاهد على الأرض      
    كتابات /
دلالة لقاء ابن سلمان بمشائخ اليمن وتأثيره على الصراع العسكري وكيف تم استبعاد بن نايف ليحل بن سلمان بدلا عنه

2017-04-13 20:45:40


 
جمال عامر
لطالما كانت القبائل اليمنية أحد أهم عوامل الحسم في الصراع على الحكم، وبالذات في الخلافات التي نشأت بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، الذي تمردعلى خلافة الأول وما لحقها من صراعات في العصر الأموي والعباسي، ووصل إلى الأندلس في فترة الحكم الإسلامي الذي كان امتداداً لحكم بني أمية. ومارست القبائل التأثير نفسه وبوتيرة أشد في صراعات الحكم في اليمن، منذ استقدام الإمام الهادي إلى اليمن في العام 897م. إذ ظلت سيوفاً تقاتل تحت لواء هذا الإمام أو ذاك وبنادق حسم في العهد الجمهوري، ابتداء من العام 62 الذي قامت فيه الثورة اليمنية وكانت مثار قلق للأسرة السعودية الحاكمة، وهو ما جعلها تخلق علاقة مع قبائل الشمال على وجه الخصوص؛ وهو إدراك لأهمية دور القبائل ومحوريته في حسم أي صراع داخلي. وحتى مع عدم قدرة النظام السعودي على إسقاط النظام الجمهوري والتوافق على مصالحة بين الملكيين والجمهوريين بدلاً عنه بفضل التدخل المصري، فقد سعت إلى استقطاب مشائخ القبائل وجعلهم بمثابة مخالب تهدد بهم أي رئيس يصل إلى حكم اليمن يحاول الخروج عن السيطرة.
لقد ظل الأمير سلطان بن عبد العزيز ممسكاً بالملف اليمني حتى وفاته، وانتقل إلى الأمير محمد بن نايف ثم إلى نجله. وكان مشائخ القبائل أهم أوراق هذا الملف، حيث تم التعامل معهم عبر اللجنة الخاصة قبل أن يتم تعليق اختصاصاتها من قبل الملك عبد الله، وأكثر من ذلك توقيف مرتبات المشائخ وغيرهم من اليمنيين مع أزمة 2011، حتى لا تكون الحكومة السعودية طرفاً مسانداً في الصراع، وأيضاً بسبب الفساد الذي اجتاحها، وهو ما جعل الملك يوجه بإعادة ترتيب أوضاعها وتحويلها إلى أشبه بمؤسسة لها مجلس أعلى من وزراء بينهم وزير الداخلية. إلا أنه، ومع وصول الملك سلمان إلى الحكم، وعقب سيطرة الحوثيين على السلطة بأقل كلفة وأسرع وقت، تغير أسلوب التعامل مع مشايخ القبائل، وبالذات من هم من قبيلة حاشد التي تم اختزالها في الشيخ عبد الله ومن بعدها أولاده الذين تقاسموها وسعوا إلى تقاسم السلطة أيضاً قبل أن يطيح بهم الحوثيون. وبدلاً من أن يمثلوا خط المواجهة الأول بحسب ما كان يعتقد أنها وظيفتهم، صار هؤلاء بحاجة إلى من يحميهم بعد أن تخلت عنهم قبائل حاشد بفروعها وفخوذها.
لقد أصبح تعامل النظام السعودي مع مشايخ اليمن من الذين حددوا موقفاً مناهضاً للحوثيين يتم عبر ضباط في أجهزة الإستخبارات، قبل أن يحاول إعادة الإعتبار لهؤلاء من خلال اللقاء الأخير الذي دعا اليه وترأسه محمد بن سلمان، وكشف حجم المأزق السعودي ليس في حربه على اليمن فقط، ولكن بمدى علاقته مع قبائلها مثيراً الكثير من علامات الإستفهام حول توقيته والحاجة إليه. استبعد النظام السعودي أي حضور يمثل "الشرعية" الذي يقاتل لأجل إعادتها
وفي هذا السياق، وبحسب معلومات مؤكدة فقد تم الإعداد لهذا اللقاء منذ ما يقارب الشهر، وظل يتأجل بسبب ضعف التمثيل المشيخي وعدم القدرة على استقطاب أسماء كبيرة أو جديدة للحضور، على الرغم من أن الدعوة كانت تتم على أساس أن ولي العهد محمد بن نايف هو من كان سيلتقي المشاركين قبل أن يتم استبداله بنجل الملك. كما أن خلافات رافقت التحضير بعد أن رفض مشايخ من أبناء حضرموت المشاركة بوجود مشايخ الشمال، وهو ما دعا البعض لاقتراح دعوة مشائخ ووجهاء الجند بغرض الدفع بحسم معركة تعز وفتح جبهة محافظة إب، وتبنى هذا الطرح حمود المخلافي ومن خلفه حزب "الإصلاح"، وسقط هو أيضاً ليتم حسم الأمر بعد أن تكرر تأجيل اللقاء بدعوة ما أمكن من مشايخ اليمن كاختبار لمدى تأثير المحسوبين عليهم من "الشرعية" المدعومة من الرياض.
إلا أن النتائج لم تكن أكثر من حصاد لمعطيات واقع على الأرض فضح من ادعى بقدرته على التأثير وحجم تمثيله في الداخل، وبالقدر نفسه كشف عمق الأزمة السعودية في هذه الحرب على مستوى الأسرة السعودية الحاكمة التي تسيد المشهد فيها محمد بن سلمان لوحده، وبدا متملقاً لليمن الذي يدمره بقسوة الحاقد فيما هو يمنحه شهادات توحي بالسذاجة أكثر منها بالإيمان بمدى ما يمثله من عراقة وحضارة عمرها آلاف من السنين الممتدة عبر تاريخه الذي لا يمكن الإنتقاص منه أو تجاوزه.
وتجنباً للإطالة، يمكن إيراد عدد من النقاط التي يمكن الإشارة إليها باعتبارها مؤشرات قد تمثل استقراء لمدى التبسيط المخل للصراع في اليمن من الجانب السعودي، وباعتباره إدراكاً متأخراً منه لما صار يمثله من مصالح ومصادر للتكسب من قبل المتحالفين معه.
ـ وهنا يمكن ملاحظة كيف استبعد النظام السعودي أي حضور يمثل "الشرعية" الذي يقاتل لأجل إعادتها، مع أن سكن هادي ورئيس حكومته لا يبعد كثيراً عن مكان الإجتماع مع ما يفترض من أن الحاضرين هم من مواطنيهم ورؤوس حربة في قتال خصومهم.
ـ غياب معظم مشائخ القبائل الكبار من حاشد وبكيل وحمير حتى ممن هم على غير وفاق مع "أنصار الله"، وهم قادرون على الحضور، وهو ما يبين الفشل الذريع على استقطاب مشائخ جدد غير أولئك الذين حددوا مواقف مسبقة لها علاقة باستعداء الحوثيين لهم وجعلهم يشاركون في الحرب ضدهم.
ـ لقد تم استبعاد أولاد الأحمر من أي تمثيل بعد أن غادر حميد الأحمر مغاضباً الرياض، بعد رفض منحه دوراً استثنائياً في هذا اللقاء والتعامل معه كأحد المشائخ العاديين بل وإعطاء غيره ممن قاتل ضد الحوثيين كمعوضة و نمران القبلي والدعام أهمية واهتماماً أكبر.
ـ أراد السعوديون من حضور ولي ولي العهد إعطاء دعم معنوي لحلفائهم الذين ظلوا يشكون بمرارة سوء تعامل ضباط الإستخبارات معهم باعتبارهم أقرب لعملاء يستلمون ثمن ما يقومون به، بغرض تعزيز قدرتهم على استقطاب حلفاء جدد لرفد جبهات جديدة سيتم فتحها في الحديدة وصعدة وإب، وتعزيز الجبهات المتعثرة في صرواح ونهم والجوف.
وأخيراً كان اللقاء بالقبائل أشبه برسالة عدم رضا سعودي عن دور الأحزاب التي غابت كغيرها لتحل القبيلة بدلاً عنها حتى بتمثيلها المتدني.

 





جميع الحقوق محفوظه لدى صحيفة الوسط 2016 

التصيميم والدعم الفني(773779585) AjaxDesign