النتيجة الحتمية للتعاطي بخفّة مع حرب اليمن وعلاقته بتصاعد خلاف محسن هادي الذي انعكس على القيادات العسكرية        مرحلة كسر العظم في الصراع الخليجي ومحورية اليمن في ظل انكشاف ضعف الأطراف       الشمال والجنوب في ظل رئاسة صانعة للدسائس يقودها نجل موظف بدرجة رئيس        سكان صنعاء بين تطمينات القادة ومخاو ف وقائع تشاهد على الأرض      
    ثقافة وفكر /
الحداثة إلى أين؟

2010-06-23 08:55:50


 
*عبدالإله القدسي ما زالت التساؤلات أكثر إلحاحا إزاء ثقافة الغد عن ماهيتها وزمن مجيئها ودورها في إحداث تغييرات لما هو مألوف أو صار مألوفا في تكريس معظم الأشياء كثوابت لا يمكن المساس بها تحت ذرائع لا تقوى على الثبات والصمود إزاء نقاش جاد ومثمر حينا من الدهر.  وعن ماهية هذه الثقافة، هل هي جديدة خالصة من الشوائب كما يرد إلى بعض الأذهان أم أنها كما يرى أحمد حسن الزيات -ثقافة معاصرة- دافع عنها في كتابه الموسوم بعنوان "دفاع عن البلاغة" الذي نافح فيه عن جمال الأسلوب وشعرية العبارة النثرية وأدبية الموضوع وكان في دفاعه هذا يناضل عن مدرسته ومدرسة طه حسين والعقاد، فلم يكن ينقطع الجدل عن معاصرة الأدب حتى نشأت ما يمكن أن نسميه مساع حميدة بين المختصمين، إذ ظهرت جماعة تفضل الجودة في الادب المعاصر والسلفي بصرف النظر عن زمانه وموضوعه؛ وليس غريبا أن يرى إبراهيم اليازجي أن لكل زمن أدبا كان فيه حديثا لكي يكون قديما في زمن آخر على حد قوله:  قل لمن لا يرى المعاصر شيئا  ويرى للأوائل التقديما  إن هذا القديم كان حديثا  وسيدعى هذا الحديث قديما  حينها تبدى ما قاله اليازجي شبه مقنع، غير أن التطورات والتحولات لم تستقر على هذا وأمثاله، لأن الادب لم يصل إلى صبغة نهائية في الفن الإبداعي والنقدي، فبعد أن كانت الحداثة دون المعاصرة أصبحت الحداثة هي روح المعاصرة أخيرا، وهذه الحداثة منبثة في كل أدب العصور بما فيها أدب عصرنا الذي نعيشه. وليس من أدنى شك أن الحداثة تتجاوز الشكل والتشكيل والزمن والتزمين لأنها في أثقب تعريفاتها المعاصرة رؤية جديدة من زاوية جديدة من منظورها الجديد لا تتقيد بشكل لأنها تنتقي تشكيلها ولا تتزمن بزمان، لأنها من إبداع كل الأوقات وتعبير كل التجارب البشرية بفضل رهافة رؤيتها واختلاف منظورها.  ألم تكشف مسرحيات برناردشو -الأديب الإنجليزي الساخر- فظائع السياسة البريطانية اليوم وعلى الوجه الأخص مسرحيته (عربة التفاح) التي اختار مكانها مدينة روما وبطلها ملك روما ورجال حكومته، وكان الملك في هذه المسرحية جشعا وأنانيا ومستبدا، وكان وزراؤه يعجبون من انحرافه عن العدل وإدمانه للغش وهو ملك لا يحتاج إلى خداع الناس، لأنه لا يرقى إلى عرشه بالانتخابات كالوزراء الذين يقولون "إنا نغش ونترشى ونرتشي لكي ننجح انتخابيا، فلماذا يسقط الملك إلى هذه الحِطَّة التي نقع فيها وهو يجلس على العرش دون انتخاب.. فلا مبرر للغش الذي يرتكبه الملك إلا شِرَّتُه الأصيلة فيه وانحرافه. فهل الانتخابات سبب في التدليس وارتكاب جرائم القتل والغش؟  إنه ينقد فساد الحكم وغباء رجاله وشيوع الاستغلال في كل وضع، فانطبقت مسرحيته على السياسة البريطانية في الثمانينيات انطباقها على ظروف تأليفها، حتى تمثل المشاهدون البريطانيون رئيسة حكومتهم مارجريت تاتشر في صورة ذلك الملك الجائر الغشاش وتصوروا رجال حكمها في صورة أولئك الوزراء الغشاشين الخداعين. أرجع النقاد الإنجليز نجاح تلك المسرحية إلى مهارة المخرج، وأعاد المخرج الفضل إلى نجاح النص المسرحي لأن نقد برناردشو كان يصدر عن نظرية جديدة إلى الأوضاع السياسية ومن منظور جديد إلى خداع السياسة فيهتك أقنعة السياسة تحت عيون الجمهور المتحمس ضد الخيانة والرشوة والفساد، فالرؤية الجديدة من قاعدة جديدة أدب كل عصر وآية الحداثة في كل أدب، فقد أشبهت مسرحية الفرافير في السبعينيات ليوسف إدريس مسرحية عربة التفاح من وجوه كثيرة.  فليس الأدب الحديث هو الذي تصدره مطابع اليوم، وإنما هو الذي يكاشف ويكتشف من منظور حديث ومن رهافة رؤية نفاذة إلى الواقع وما يترتب عليه من تجدد معاكس أو منطقي، ويمكن لأي متتبع أن يجد في مؤلفات أبي حيان التوحيدي وشعر المعري والمتنبي الحداثة الحقيقية بشكلها ومضمونها والتي جاءت من نظر فاحص ثاقب ومن حدس صاف مستبصر. ألم يقل أبو العلاء المعري:  وأرى ملوكا لا تصون رعية  فعلام تؤخذ جزية ومكوس  ألم يصدح المتنبي:  أرانب غير أنهمو ملوك  مفتحة عيونهمو نيام  أما أبو حيان التوحيدي في كتابه (الهوامل والشوامل) فيسرد هذا المشهد:  "كان أبو سليمان المنطقي هو أعلم أهل زمانه متكئنا إلى حائط، فرأى غلاماً متخلعاً عائدا من قصر الملك وقدامه قافلة محملة بالقمح والسمن والسكر والثياب فنادى أبو سليمان بأعلى صوته:  "أنا يا رب أدعو إلى دينك بكل اللغات، لا أجد درهما أبتاع به طعاما لأهلي وهذا الغلام الجاهل المتخلع يستاق قافلة محملة بكل ما راق وطاب، وكانت تكفي بيتي حمولة راحلة من قافلته لسنة كاملة".  فهذه الحداثة قديمة الزمان لكنها جديدة النظرة والمنظور لأن السياسات في كل عصر لا تنتقي الأفضل من الناس وإنما تنتقي الأطوع والأخدم من المنفذين الذين أهم شروطهم الغباوة والجشع والضعف النفسي.  قد يقال إن تلك الأساليب التي كانت تعتمد على البلاغيات ذهب زمانها وانقضى ولأدب كل عصر بلاغياته، لكن إذا كانت البلاغة هي الشرط الفني للأدب القديم فإنها من الشروط الفنية لأدب اليوم، قد تختلف طرائق التشبيه والاستعارات وتكنيكاتها ولكن لا يمكن أن تتغيب التشابيه والاستعارات لأنها من نسيج اللغة الأدبية وهي التي تجعل الكلام أدبا على أي طريقة من طرائق أدائها.. ومن المؤسف والمحزن أن نرى النقاد وهم كالأدباء المبدعين يفصلون بين الحداثة ومهماتها وبين التجربة الفنية وموضوعها الاجتماعي فيقصرون الحداثة على الشكل ويقصرون الرؤية على الأداء التعبيري بمعزل عن قضيته.




جميع الحقوق محفوظه لدى صحيفة الوسط 2016 

التصيميم والدعم الفني(773779585) AjaxDesign