هكذا تسعى السعودية لشرعنة الحصار على اليمن        تغير مسار الاتهام من صالح والحوثي الى قطر والإخوان وعملية داعش تحديا لعودة بن دغر وللاجتماع الأمني        ابن سلمان وشرك مماثلة إيران بالعراق و«حزب الله» بالحوثيين وعلاقته بفشل انظمة امريكية متعاقبة بإشعال حرب سنية شيعية        ماوراء إدراج حلفاء للتحالف على لائحة الإرهاب و تصريحات بن سلمان باستمرار الحرب على اليمن      
    جدل وأصداء /
غلاب: التغيير وصراعات قوى المصالح الليبرالية كمخرج

2011-11-23 16:44:35


 
كتب/نجيب غلاب   لا يمكن ان يكون التغيير قوة فاعلة في إنتاج مستقبل مختلف ما لم يتم فحص الواقع وفهم سياقاته الراهنة ومآلاتها، فالانفعال الثوري الذي يزداد غضبا واشتعالا لدى قطاعاته المحورية -وأقصد الشباب التابعين للتيار الديني القبلي- يقودنا إلى مخططات قد تنتج الاستبداد بواجهة ديمقراطية هزيلة، أي إعادة إنتاج النظام وبناء دولة على مقاس فئة لم تغادر بعد طموحها في استمرار السيطرة والهيمنة على الدولة.   وما يجعل مخاوف تيار واسع من أبناء اليمن على التغيير أمراً مبرراً وضرورياً ان الواقع بمساراته المعقدة افقد الحركة الجماهيرية قدرتها على تحديد الاتجاهات الكفيلة بتحقيق الأهداف التي تحركها، فالغموض وعدم إدراك طبيعة الصراع جعل شعارات التغيير ستارا يخفي خلفه خطة هدفها تصفية الخصوم حتى يتمكن الأقوياء من الهيمنة الكلية وفرض إرادتهم على الجميع وهذه الخطة تحاول جاهدة في انتاج فوضى وتحويلها إلى قوة إخضاع وقهر حتى لحلفائهم وللقوى المستقلة، فالتحكم من خلال الفوضى مهم حتى يتمكنوا لاحقا بعد إلغاء التوازن المفترض ان ينتجه التغيير لترسيخ الحرية من ضرب معارضيهم باسم الثورة وانجاز أهدافها.   التغيير الذي يقوده وجه النظام المتمرد باسم الثورة من خلال نشر الاضطرابات وانهيار النظام سيلغي المؤسسات الهشة ويتم إعادة تشكيل منظومة وفق شروط جديدة كليا بحيث يتمكن التيار الديني القبلي من إعادة صياغة الواقع بما يجذر وجوده ومصالحه وبصورة مغايرة لماضيه لتبرير هيمنته بشرعية ثورية ولأن النزعة الاستبدادية جزء من تكوين التيار فإنه لا يمكن فرضها وإعادة شرعنتها إلا بصدمة رعب شاملة تقود المجتمع وتكويناته المختلفة إلى قبول أي وضع.   فالدفع باتجاهات تصفية النظام مثلا ودفعه الى نقطة حرجة يصبح العنف خيارا وحيدا لحماية نفسه من الانهيار الكلي يتم التأصيل له من خلال تحويل العملية السياسية بوابة لتفكيك النظام المتمسك بالدستور وإضعافه لصالح وجهه المعارض وفي الوقت ذاته ترك الفعل الثوري مستمراً لا باتجاه انجاز التغيير الايجابي التوافقي بل باتجاه مواجهة مرتكزات القوى المنافسة ودفعها الى الانهيار كمدخل لتصفية المنظومة كقوة متماسكة وتحويل قوتها بعد تفكيكها الى ملحق تابع لمرتكزات وجه النظام الذي يبحث لنفسه عن شرعية ثورية لتجذير هيمنته.   القوى المدنية بمختلف تشكيلاتها سواء المعارضة او المرتبطة بالحكم او المستقلة بحاجة الى بناء مسار واضح يحدد معالم التحولات حتى لا يتحول التغيير الى قوة منتجة للعنف والفوضى وتكتلها في هذه المرحلة ضرورة حتى تتمكن من حماية التغيير الكفيل بانجاز تغيير يحافظ على توازن خادم للحرية وقوة دفع ايجابي محاصر للهيمنة التي يراد إنتاجها باسم ثورة خانقة لتغيير تركيبة القوة التاريخية التي هيمنت على الجمهورية عبر تاريخها.   إن انجاز فعل التغيير بحاجة الى عملية سياسية واضحة تحمي التوازن وهذا يتطلب تطوير فاعلية الحركة الجماهيرية وإعادة بنائها على مستوى الوعي والآليات والقوى المتحكمة في مساراتها حتى تصبح قوة نافعة في بناء دولة ملتزمة بالقانون وهذا لن يتم ما لم يركز على بناء الحرية والتأسيس لها بأعمال ملموسة خارج سياق الانفعال الثوري والشعارات الفضفاضة، وهذا يتطلب عقلنة فعل التغيير ورسم معالم حركته خارج سياق صراع مراكز القوى وتغليب لغة التسامح والتركيز على المستقبل والتحيز للواقع اليمني كما هو أثناء بناء مشروع التغيير، فالمبالغة في المثالية أو قهر الآخر قد يحول الفعل الى عائق قاتل لفكرة التغيير.   مراكز القوى التي تستغل القوى القبلية والعسكرية والقوى الشابة المنفعلة برومانسية ثورية مثالية ومحاولة تحويل طاقتها بالتأصيل للعنف الى قوة لتدمير ما هو قائم هي المداخل الأولية لنسف السلم الاجتماعي ولأن كل طرف في ظل التعقيد والتداخل في الصراع يؤكد أنه في حالة دفاع عن النفس فإن كل افعال العنف تصبج مبررة لدى كل طرف وهذا يجعل من العنف خيار الكل ضد الكل.   ان تجاهل واقع اليمن وطبيعة الصراع وانقسام المجتمع وعمق التناقضات مع تحكم مراكز القوى سيدخل اليمن في عاصفة من الفوضى المدمرة وسيولد من قلبها واقع يأكله العنف وهذا سيزرع في بنيته ثارات وأحقاداً وانتقاماً ومظالم كثيرة ناهيك عن الخسائر التي سينبعث من قلبها لا محالة ظلم واسع النطاق سيكون هو بذرة لاستمرار النزاعات وانتشار الجرائم والعدوان، والنتيجة الأولية ضرب العيش المشترك وانتهاك كرامة الإنسان وهيمنة قانون الغاب وهذه الوضعية تجعل من العدل شعاراً وقراراً يصنعه متغلبون بالقوة المسلحة، أي عدلاً يعبر عن الأقوى بعد إنهاك وتدمير المجتمع. وعدلاً يصنعه قوي في ظل اضطراب وشبكات معقدة من القوى ستكون محصلته تغليب المصالح الخاصة لقوى النفوذ في أحسن الأحوال وفي أسوئها  إعادة انتاج ماضي ما قبل الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر.   الفعل الثوري المنتج للتغيير لابد أن يكون ملتزما أولا وأخيرا بتحقيق أهداف وغايات مرتبطة بالمجموع الشعبي لا مساراً مرتهناً لصراعات مراكز القوى، فهو فعل وطني مخلص للأرض والإنسان لا فعل مرتهن لتيار او مجموعة او تحالفات مصالح، فعل ينتج سلاماً يؤسس للحرية لا فعلاً عنيفاً يتجلى بلغة الحرب لإنتاج فوضى يولد من عاصفتها نقائض الحرية والكرامة والعيش المشترك والوحدة الوطنية.   عقلنة التحولات واستيعاب الواقع بحاجة الى كتلة وطنية ديمقراطية تنشأ خارج سياق القوى المتنازعة لإسناد الفعل الثوري وتطوير فاعليته بحيث يتحول الى نزوع متمرد متسلح بمشروع مدني قلبه وروحه وعظمه ولحمه التسامح والحرية ويمثل تحريره من قيوده وأوهامه مهمة في غاية الأهمية رغم صعوبتها حتى نتمكن من التأسيس لوعي جديد يدفع باتجاهات التقدم والازدهار وحتى لا يتحول فعل التغيير إلى طاقة تائهة ومرتبكة فتعيد إنتاج الماضي والتعاسة والفقر والتشرد.   إن الإصرار على التغيير بجعل الفعل الثوري غصن زيتون غارق في الدماء يمثل اغتيالاً لفكرة الثورة في العمق ويخرج النضال السلمي عن طبيعته التي أسست له قوى شابة بلا حقد أو كراهية، والأخطر بعض القوى التقليدية التي تتبنى العنف وهو تكوين طبيعي في بنية وعيها تعمل بكل طاقتها على بناء ترسانة من الغضب والكراهية والحقد في وعي القوى الشابة حتى تتمكن من تحويل حركتها إلى قوة مرتبكة لإنتاج نقائضها وتحويل أهدافها من بناء يمن جديد مختلف إلى اتجاهات ثأرية وهذا سيفقد التحول معناه ويجعل من القوى الحية الجديدة بندق منتحر في أصولية غارقة في وعي قبلي مقدس للرموز التقليدية وللغنيمة.   إن لم يتم ضبط إيقاع النضال وعقلنته فإن التهور قد يحول فعل التغيير من قوة مغايرة لوعي تاريخي بال إلى وعي قلق مرتبك غارق في نار صراعات عبثية سيتولد من قلبها ونتائجها ماض مدمر للأهداف والغايات.   فالحرية لا يمكن بناؤها في القرن الواحد والعشرين على أشلاء الضحايا وردات الفعل الانتقامية ولا يمكن لدبابة او مليشيا قبلية ودينية ان تبني حرية او كرامة او مساواة او عيش مشترك أو وحدة وطنية. وهذا يتطلب من الجميع التركيز على توافق يصنعه السلام وتحديد أهداف التغيير بتأسيس منظومة سياسية مغايرة للنظام السابق على ان تكون مستجيبة لواقع التحولات ومتجاوزة لأخطاء الماضي ومؤسسة لبنية متماسكة من المؤسسات لا يتمكن أي طرف من السيطرة عليها، والديمقراطية الليبرالية ستكون هي الآلة والمنهج الكفيل بإدارة الصراعات والتناقضات، فهي من سيحمي المؤسسات من الهيمنة ومن حرفها عن مسارها.   لنركز على البناء المؤسسي أولا ونعمل على التأسيس للقيم المراد إنتاجها في الوعي حتى تتمكن المؤسسات من العمل بفاعليه، فالشعار والانفعال المسكون بالانتقام من أشخاص أو هيئات لا يؤسس لمستقبل يحمل مشروعاً للحياة والتعايش والإخاء والسلام والعدل، وصراع النفي والإقصاء في واقع منقسم على نفسه وتركيبة معقدة للتكوينات المتنازعة وفي ظل تداخل الماضي مع المستقبل وشبكة من المصالح المعقدة والمتشابكة والتي لها جذور منتشرة في المجتمع والدولة يجعل أي محاولة لتفكيك هذه المنظومة بطريقة سريعة ومتهورة وانفعالية طريقاً لتفجير قنبلة ناسفة لفكرة التغيير الايجابي وبوابة ربما لتصنيع طغاة وأمراء حروب.   ميزة القوة الشابة أنها تحمل مشروعية جديدة مغايرة للماضي هذه المشروعية متحيزة كليا للإنسان وللفرد والحرية وهي قوة خارج سياق الصراعات على السلطة وهي تتحرك بطهارة القيمة وتؤسس للأمل أنها لا تبحث عن الحكم، مشروعها يركز على الحرية والعدالة وكرامة الفرد والمساواة، هذه القوى الجديدة خرجت حبا في الحياة وهي إعلان لذات متحررة هدفها التأسيس لمستقبل جديد يؤسس لنفسه على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وان لم تحرر نفسها من اتون الصراع العبثي فإنها ستقع في فخ الهزيمة والفشل.   إن مغادرة الماضي لا يمكن تأسيسه على الكراهية والحقد والعنف، فالعنف والكراهية والثأر ترسانة لن تؤسس لمستقبل مختلف أنها ترسانة خاطئة لا محالة انها ستعيد إنتاج للماضي وربما تفجير كل صوره البالية ناهيك انها تزرع القهر في كل زوايا الوطن والنفوس.   ان التركيز على الفكر الليبرالي في واقعنا اليمني هو المقدمة الضرورية لانجاز التغيير لأن الليبرالية في نضالها ليست ذات نزوع جذري تدميري في التغيير ولكنها عقلانية وواقعية تحاول أن تؤسس للحرية برزانة وهدوء وبما يجعل الحرية منتجاً لواقع لا بنية ورؤية وفكرة وشعار متعال قاهر للواقع، لان الحرية لا يمكن فرضها بوسائل تتناقض مع طبيعتها، إننا بحاجة إلى بناء بنية تحتية متماسكة يقودها عقلاء لا غوغائية منطقها غارق في عقل قطيع تحاول ان تبني طوبى في فراغ.   وأخيرا أسال:   هل حان الوقت لتشكيل كتلة تاريخية حتى نتمكن من بناء مشروع وطني متماسك لإحياء اليمن؟




جميع الحقوق محفوظه لدى صحيفة الوسط 2016 

التصيميم والدعم الفني(773779585) AjaxDesign