هكذا تسعى السعودية لشرعنة الحصار على اليمن        تغير مسار الاتهام من صالح والحوثي الى قطر والإخوان وعملية داعش تحديا لعودة بن دغر وللاجتماع الأمني        ابن سلمان وشرك مماثلة إيران بالعراق و«حزب الله» بالحوثيين وعلاقته بفشل انظمة امريكية متعاقبة بإشعال حرب سنية شيعية        ماوراء إدراج حلفاء للتحالف على لائحة الإرهاب و تصريحات بن سلمان باستمرار الحرب على اليمن      
    جدل وأصداء /
غلاب: تحولات العلاقات اليمنية السعودية في ظل صراع مراكز القوى..الدولة كخيار حتمي للجميع لحماية الأمن الإقليمي وبناء التكامل

2011-08-09 20:44:30


 
كتب/نجيب غلاب   أتسمت قرارات السياسة الخارجية للسعودية بالهدوء والرزانة وبنزعة محافظة في تعاملها مع القضايا الإقليمية والدولية وتلك القرارات أسست لنفسها على المبادئ والقيم الإسلامية والعربية والإنسانية، وعبر تاريخها التزمت بالدفاع عن القضايا العربية والإسلامية وهذا جعل بعض القوى الوطنية السعودية ترى أن هذا الالتزام قد فرض على المملكة الكثير من الأعباء، وحسب تصوري أيا كانت التضحيات فصانع القرار في نهاية الأمر متحيز كليا لمصالحه الوطنية.   والمتفحص للقرارات الخارجية للسعودية سيجد رغم المظهر العام لها المتسم بالثبات أنها ديناميكية تتأثر بالتحولات والتغيرات الداخلية والخارجية، ومنتجو القرار محكومون أولا وأخيرا بالقراءات التي تعيد تفسير وتوضيح المصالح الوطنية حسب متغيرات البيئة المحيطة، ونظرا لأهمية المملكة ولقوة نفوذها وتأثيرها فإن سياساتها الخارجية تكون نتائجها مؤثرة على الصراعات التي افرزها التنافس الداخلي والخارجي لذلك فإن بعض القوى المتنازعة ترى أن القرار السعودي متحيز ضدها وعادة ما تقوم بتفسيره متأثرة بالصراع على النفوذ والمصالح بما يشوه القرار الخارجي السعودي ليصبح التفسير والفهم للقرار قوة ضاغطة بما يخدم مصالح تلك القوى.   هذه المقدمة ضرورية لفهم الدور السعودي في اليمن، وحتى نتمكن من تفسير واستيعاب تاريخ العلاقة والتأثير الذي أحدثته التحولات دون أن ندخل في أحكام قيمية وإيديولوجية تحجب عنا حقائق الواقع، ومن المهم أن نكون موضوعيين في التحليل وسنعتمد على منهجية واقعية حتى لا نقع في ورطة تحويل عملية الفهم إلى مجال للضغط على السعودية لخدمة مصالح أطراف داخلية أوخارجية، وسيكون تحيزنا لمصالح اليمن والسعودية.   قدمت كثير من التفسيرات للعلاقات اليمنية السعودية والملاحظة الأولية على تلك التفسيرات انها كانت متأثرة بالصراعات الداخلية وبرؤى عاطفية متحيزة لفكرة او جماعة او إيديولوجيا أو متأثرة بواقع الصراع الداخلي والصراع الإقليمي ونتائج تلك الصراعات، فالقوى القومية كالناصرية مثلا فهمت السياسة السعودية بالاستناد على الصراع التاريخي في الستينيات بين مصر والسعودية، وتأثرت بالصراع الداخلي الذي جرى في ظل الحرب الباردة، وتعمقت الإشكالية أن القوى الناصرية لم تعد قراءة العلاقة بما يساعدها على إسناد المصالح الوطنية ومصالحها بل أنها اعتمدت في فهمها للعلاقات اليمنية السعودية على الإنتاج المعرفي والفكري والدعائي ضد المملكة الذي أنتجته الصراعات الإقليمية، وصراع النفوذ بين الدول الكبرى، ولم تتمكن بعض القوى الناصرية من التعامل مع التحولات وظلت تعيد تفسير كثير من القرارات السعودية تجاه اليمن بناء على الخلفيات التي شكلت وعيها لا على واقع الحال حتى أصبحت التفسيرات المقدمة لفهم بعض قضايا الداخل اليمني في السنوات القليلة الماضية مسكونة بالوعي التقليدي الذي حكم وعي القوى الناصرية في اليمن وهذا جعلها غير قادرة على فهم واقع العلاقة، وأصبح الفهم وسيلة هجومية لإثبات النقاء القومي حتى وأن كان متعارضاً مع الفكرة القومية وهذا تعبير عن حالة من الارتباك وضياع البوصلة وفقدان الاتجاه، وتحولت القراءات المقدمة إلى عامل معيق مضر بالمصالح الوطنية ومصالح القوى الناصرية ومتعارض مع العروبة ودليل عن ضعف الإستراتيجية التي تحكم سلوكهم السياسي، ومن الواضح ان قوى داخلية كان لها مصالح مع السعودية كانت هي المستفيدة من التطرف الناصري.   وبالمثل يمكن الحديث عن القوى اليسارية والتي ظلت جامدة في فهم مصالحها وحاجة اليمن وقدرها الجغرافي وهذا جعلها عاجزة عن بناء رؤية سياسية مرنة وبراغماتية وظلت مرتهنة لصراعات الماضي التي أنتجتها الحرب الباردة، بل أنها وجدت نفسها مثلها مثل بعض القوى الدينية واقعة في فخ المواجهة مع السعودية وهذا كان له نتائج سلبية على تلك القوى وتحولوا إلى فاعل مفيد للقوى الأخرى المنافسة لها والتي لها علاقات مع السعودية أسست لها المراحل السابقة. وبعض القوى الحديثة في الحكم والمعارضة ظلت ملتزمة برؤية عدائية تجاه المملكة كنوع من الاعتراض على سياساتها التي رأت فيها تحيزا للقوى التقليدية ولا ننفي هنا البعد الشخصي في تحديد الموقف لأن الصرامة التي التزم فيها البعض حتى في الحالات الواضحة التي كانت السياسات مقترحة من قبل تلك القوى الحديثة واستجابت لها المملكة إلا ان موقف العداء لم يتغير.   وفي المقابل عملت بعض القوى السياسية والاجتماعية والعقائدية عبر نخبها والمتحالفة مع السعودية على تحويل علاقاتها مع السعودية بما يقوي شوكتها في الصراع الداخلي ويراكم من ثرائها ومن جانب آخر دفعت الواقع بطريقة تعيق بناء علاقات طبيعية بين اليمن السعودية، فالمصالح التي حققتها كان لابد لها أن تستمر لذا فقد خلقت مبررات استمرارها من خلال تحريك الواقع لصالح ترسيخ مصالحها، بصرف النظر عن نتائج أفعالها على المصالح السعودية على المدى البعيد وعلى مصالح الدولة اليمنية، وتعامل الكثير من النخب مع تلك المصالح كثابت تاريخي مبني على تفضيل أسست له العلاقة السابقة ولا علاقة له بالمصالح الإستراتيجية للدولة السعودية، وساعدهم على ذلك أن السعودية لا تتخلى عن حلفائها بسهولة وتحاول إعادة صياغة مصالح القوى المتحالفة معها بما يتوافق وتحولات إستراتيجيتها، الإشكالية أن جزءاً كبيراً من تلك النخب المستفيدة عملت على فهم التحولات المختلفة في الواقع المحلي والإقليمي بما يرسخ قوتها على حساب المصلحة اليمنية ويتعارض مع المصالح السعودية، ومن يطلع مثلا على واقع أبناء القبائل وثراء نخبها سيجد ان ثورة القبائل على النخب ستكون قريبة وهذا لا محالة سيؤثر على مصالح السعودية، ومارس بعضهم لعبة خداع على الجميع فاستخدموا صراعات الداخل وتناقضاته كقوة لتفعيل قوتهم الداخلية ومن جانب آخر البحث عن إسناد خارجي متشعب التوجهات بما يجعل التخلي عن دعمهم مخاطرة كبيرة على المصالح السعودية، فبعض التيارات الدينية التي تلقت مساعدات طائلة بعد ان اخترقت القبيلة ونخبتها القريبة من السعودية من الواضح أنها في حركتها وفاعليتها تحمل عداء غير معلن رسميا وهو معلن لدى تكويناتها وأعضائها ويتم الإفصاح عنه بين الحين والآخر بشكل علني أو من خلايا مخالب القطط الأخرى، ونموها وارتباطاتها المتشعبة الخارجية قد يحولها في ظل تحولات الصراع في المنطقة إلى طاقة جبارة مؤثرة سلبيا على العلاقات اليمنية السعودية.    وإذا كانت القوى الأخرى المضادة للسعودية والتي تشكل كتلاً متعددة متعثرة في تجديد أطروحاتها ومتأخرة في استيعاب التحول لدى صانعي القرار السعودي فإن بعض حلفائها ظنوا أنهم أكثر ذكاء ولم يفهموا أن منظورات الأمن الإقليمي والدولي قد تغيرت وأن الدول تعيد تقييم علاقاتها بما يعزز مصالحها، وأن استمرار وتطور العلاقة مرتبط بمدى الاستجابة لمصالح الحليف المتغيرة، فقد يكون فعل معين من قبل فاعل داخلي في لحظة تاريخية ذا فائدة، لكنه يبدو للفاعل الخارجي في لحظة أخرى بحكم التغير خطراً مهدداً لمصالحه، وهذا ما لم تستوعبه القوى المستفيدة، فالفاعل الداخلي كالنخبة القبلية والدينية المؤدلجة نتيجة التغييرات الداخلية أصبح الجزء الأقوى منها يتحرك بما يعظم من قوته دون انتباه للوقائع الجديدة داخليا وخارجيا، فالتهور في خلط الأوراق وإدارة الصراع بنزعة متهورة مهددة للدولة أصبح مضراً بمصالح السعودية وعاملاً مهدداً لأمنها القومي، وناسفاً للسلم الاجتماعي اليمني.   لم تحاول السعودية التدخل في الصراعات الداخلية التي تديرها القوى المتحالفة معها من القوى المهيمنة والمسيطرة على القوة في اليمن بشكل مباشر، ربما كان لديها قناعة أن حلفاءها مهما كانت نتائج الصراع لن تؤثر على مصالحها، ولأن الواقع اليمني معقد وقد تغيرت بنيته فإن القوى التي كانت تعمل خارج تلك التحالفات والمتضررة من ثبات الأوضاع بدأت تخلق تمرداً متعارضاً مع مصالح السعودية في اليمن وفي مواجهة حلفائها على المستوى الرسمي وغير الرسمي.   ولكي يستمر دعم الجوار فقد تمكن حلفاء السعودية رغم تناقضاتهم العميقة وبوعي قبلي باحث عن الغنائم من خلق توافق غير معلن لإدارة المواجهات مع التحدي الداخلي الذي يحاول إعادة صياغة الواقع اليمني بما يناهض المصالح السعودية، وأصبح التمرد بالنسبة لحلفائها مدخلا لإقناع السعودية بضرورة زيادة دعمها، وكان كل طرف يحاول ان يستولي على الفوائد بما يعظم من قوته بصرف النظر عن مصالح اليمن والسعودية، وبدل ان يواجه التمرد الذي تجلى في صور متعددة في الواقع اليمني أصبح طرفا الصراع يديرون صراعاتهم كل بطريقته بما يفعل التمرد ويسهل له ضرب خصمه، وأصبح بقاء التمرد وتعاظمه ضرورة للطرفين في لعبت صراعهم على النفوذ واستمرار تدفق المساعدات الإقليمية والدولية.   مع انقسام حلفاء السعودية في اليمن وتحول صراعهم إلى طاقة مثيرة للفوضى والاضطراب ونتيجة لتناقض مصالحهم وخوف كل طرف من الآخر وسعي كل طرف لإلغاء وإقصاء خصمه صاروا هم الأكثر تهديدا لا للأمن القومي السعودي بل لليمن كله، لم يعدّ حسب تصوري أمام السعودية من خيار إلا خلق توافق بين حلفائها بما يستجيب لمصالح اليمن الوطنية، لأن المراهنة على طرف قد يقود اليمن إلى فوضى ستكون مضرة بالمصالح السعودية في العمق، وهنا لابد من الإشارة إلى أن القوى الأخرى في المجتمع اليمني من أحزاب أو قوى اجتماعية أو حركات دينية والتي تبحث عن تغيير الواقع وتعمل خارج سياق حلفاء السعودية او لها مواقف سلبية من السعودية أن تعيد موضعة نفسها في سياق المصالح الوطنية ودعم التحولات في الإستراتيجية السعودية والتي أصبحت وفق مؤشرات كثيرة مراهنة كليا على الخيار الوطني اليمني المنحاز للدولة كخيار وحيد لضبط فوضى مراكز القوى المتنازعة، وعليها أن تكون جريئة وسريعة وحاسمة من أجل خدمة اليمن وأن تمد يدها للسعودية حتى تتمكن من مساعدة الجميع في ظل التناقضات والصراعات العبثية من الخروج من مأزق تاريخي قد يهدد الوجود اليمني ويحول جغرافيته إلى مجال فوضوي لا يمكن ضبطه، وهذا التعاون سوف يسهم في بناء علاقات سعودية يمنية طبيعية قائمة على المصالح الوطنية للدولتين، وسوف يمكن السعودية من الوقوف على مسافة واحدة من الجميع.   ومن البديهيات في السياسة أن المصالح متغيرة فلا صديق دائم ولا عدو دائم فالتغيير في طبيعة العلاقة مع الحلفاء محكوم بالمصالح فان لم يعدل الفاعل الداخلي سلوكه بما يجعل اليمن مجالاً مستقراً وأمناً فان العلاقة لن تدوم وفي المقابل فإن استمرار العلاقة أو بناء علاقات مع القوى الأخرى لصالح الدولة بحاجة إلى تغيير مسار سلوك الفاعل الداخلي فاعتذار شيخ ما عن سلوك اعتقد انه يخدم علاقته مع السعودية يحمل دلالة تهديد بالتعاون مع الخصم ان لم يستمر الريع، وهنا تصبح العلاقة ذات طبيعة انتهازية وبالإمكان إنهاؤها بمجرد تحول الخصم إلى حليف، لذا على القوى التي ترى في السعودية خصماً ان تعيد قراءة مصالحها بما ينسجم مع التحول في سياسة السعودية وفق رؤية سياسية نافعة لليمن ولا تهدد مصالح وأمن السعودية لان ذلك أكثر جدوى لحماية مصالح الجميع ومدخل لمحاصرة القوى الانتهازية، فالسعودية تتعامل بمنطق الدولة في نهاية الأمر ولا يمكنها ان تتعامل مثلا مع الحوثي كعدو دائم بل ان إعادة فهم المصالح قد يجعل من القوى الزيدية حليفاً سياسياً ان كان ذلك خادماً لأمنها القومي وبطريقة ناضجة مدركة للواقع وبأسلوب لا يخضع للابتزاز كما هو سلوك شيخ القبيلة الذي قد يجعل من الفعل المضر بمصالح السعودية ضرورة لاستمرار مصالحة.   فالمشكلة في صعدة بأبعادها المختلفة هي نتاج صراعات داخلية ذات جذور سياسية إضافة إلى تراكم أخطاء من الدولة والفاعل الاجتماعي والديني، فقد تحولت صعدة الى مجال معزول تتحكم فيه قوى غير رسمية وحولتها الى وكر للاقتصاد اللامرئي اغلبه مجرم قانونيا ومع الوقت نمت أوكار تجار المخدرات وربما زراعتها وتعاظم دور تجار السلاح، كانت لعبة الصراع بين القوى السياسية ذات الأجندة الدينية مهدد لمصالح المستفيدين من ضعف القانون والنظام، فالتنظيمات التي شكلتها الحركة الحوثية فرضت حالة من النظام على المنطقة، علينا أن ندرك أن الحرب لم تكن ذات نفس مذهبي كانت محاولة لفرض النظام باسم الدولة لأن إمكانية تمرير المصالح الغير مشروعة أسهل عبر الرشوة، بعكس حركة دينية شرعية الاستجابة لأطروحاتها مرتبطة بالنقاء وطهارة المسلك، لقد دخلت الحوثية كتنظيم على المنطقة وأصبح تحكمه بالمنطقة مهدد للفوضى وللعزلة.   اعتقدت قوى المصالح ان الحرب ستكون سريعة لكن طولها اوجد فوضى يتحكم فيها منتجو العنف من خلال أدوات ضبط حاصرت الأوكار، صحيح ان بيع وشراء السلاح حقق أرباحاً لقوى المصالح لكن تطور الصراع وتعقده والضبط الذي فرض على المنطقة أفقد قوى المصالح الكثير من مصالحها وأصبحت هي الخاسر الأكبر، فقد فتحت الملفات وان لم تغط إعلاميا، وقد لعبت الاحتجاجات دوراً في ضبط صعدة بما يخدم الطرفين ولا يؤثر على مصالح النظام الحاكم، صعدة ليست كما نتصور فالصراع فيها معقد إلى درجة أن المحارب من أجل الحق يستبطن الشر كله، المذهب وفرض هيبة الدولة واجهات لصراع قوى مافوية.   ولأن منطق السياسة يؤكد أن الدولة مهتمة بأمنها ومصالحها الإستراتيجية فإن السعودية لا ترى في المسألة المذهبية عقدة لا يمكن تجاوزها بعكس مصالحها وأمنها ومخاطر صعدة حسب تصوري ذات بعدين أمني واستراتيجي، فالحوثية حولت مجال هيمنتها الى قوة مضبوطة لمواجهة عصابات مافاوية معقدة مضرة بأمن المملكة وهذا لا ينفي أن جزءاً من الحوثية جزء من لعبة المافيا وفي هذه المسألة قد تتوافق المصالح، أما المشكلة الإستراتيجية فهي الأكثر خطرا لا على المملكة بل على مصالح اليمن فتحويل صعدة الى مجال حيوي للنفوذ الايراني يهدد أمن السعودية كما ان استمرار الحوثية كحركة متمردة حاملة للسلاح في وجه الدولة يشجع قوى العنف على النمو في الجغرافيا اليمنية ويحولها الى مجال فوضوي لا يمكن التحكم فيه ويهدد هيبة الدولة وربما يقودها الى الانهيار، وهذه مسألة مهددة للأمن الإقليمي.   بإمكان القوى الحوثية ان تعيد صياغة مصالحها لصالح الزيدية وخارج أطار النفوذ الايراني وان تتحول الى تكوين سياسي نابذ للعنف، وهذا يحتاج إلى مساعدة الزيدية المعتدلة في الدفع باتجاه يحرر المذهب من مرحلة الحوثية ونزعتها المقاتلة ويخلق أفقاً أكثر ارتباطا بالمجال العربي ومتحيزاً كليا للمصالح الوطنية، فالزيدية بتشيعها ذات أهمية كبيرة للعرب حيث تمثل التشيع العربي الأكثر نقاء خصوصا بصورته التي تجلت في مؤسس المنهج الزيدي زيد بن علي، وعبر تاريخ الزيدية النقية والصافية كان تشيعها متحررا من الأوهام الاثنى عشرية وقوة فكرية مناهضة للتطرف، أي ان الزيدية المعتدلة تعبر عن التشيع العربي القادر على مواجهة التشيع الفارسي الذي تتدثر فيه إيران كخيار استراتيجي لفرض مصالحها على المنطقة، ونلفت الانتباه هنا أن المنهج الزيدي في فهم الإسلام وعقلانيته ذا أهمية كبرى في تخليق اجتهادات داعمة للتنوير الإسلامي، وفي مواجهة قوى التطرف الاسلاموية.    وحسب تصوري يبدو أن دعم بعض النخب الاجتماعية والسياسية التي ارتبطت بالمملكة بحاجة إلى مراجعة وإعادة صياغة فقد تغيرت تركيبة القوى الداخلية وبرزت قوى جديدة فاعلة تمكنت من تغيير الواقع السياسي اليمني، ناهيك عن توسع رقعة الجغرافيا والقوى المنتجة للفعل السياسي، وترك الأمر دون تغيير جذري ولو على المدى البعيد في ظل مخاطر الصراع على الدولة بين القوى المختلفة واستمرار الدولة الهشة وكل ذلك سوف يهدد المنظومة الأمنية الداخلية والخارجية، فالنظريات الأمنية في القرن الواحد والعشرين تؤكد أن الدولة الضعيفة وصراعات القوى على مواردها المحدودة وعلى الريع الخارجي يمثل مخاطرة كبيرة على الأمن الإقليمي والعالمي.   من يتابع سياسة السعودية في اليمن في الفترة الماضية وفي الراهن سيجد أنها تراهن على دولة يمنية مستقرة كضرورة لحماية أمنها ومصالحها وأمن ومصالح حلفائها من الدول الأخرى، ونتيجة لذلك فإن سلوك فاعل داخلي حتى وإن كان حليفاً بطريقة تضعف الدولة فإنه يصبح عاملاً مهدداً لمصالح الخارج قبل الداخل، وتصبح مواجهة منتجي الفوضى في الداخل مطلبا خارجيا ولا يهم ان يكون التخلي عن الحليف أن لم يعدل سلوكه يخدم الإطراف التي تملك القوة الضامنة لإنتاج الاستقرار، أو القوى التي يتم تصويرها أنها خصم للسعودية، فالمهم لدى الدول هو مصالحها وكل شيء قابل للتبديل والتغيير.   إلى ذلك الريع الخارجي إذا لم ينتج انضباطاً لصالح فكرة الاستقرار يصبح استمراره عامل مهدداً للمانح وبالتالي فان إيقافه يصبح نتيجة طبيعية وهذا قد يجعل الفاعل الداخلي يعيد صياغة قراراته بالتهديد بالفوضى التي لا يمكن التحكم فيها إذا لم يستمر وصول المال لتصبح المنحة المعطاة أن تم الاستجابة للتهديد تدفع كإتاوة، ولأن السعودية دولة تعتز بنفسها كثيرا فإن هكذا تعامل حسب تصوري سيجعلها أكثر حسما في مواجهة انتهازية القوى الفاسدة، وسيكون رهانها على الدولة والقوى الجديدة التي يتم تحريضها على المملكة من قبل حلفائها.   لم يعد أمام القوى الإقليمية والدولية المهتمة باستقرار اليمن وأمنه إلا أن تعيد ترتيب إستراتيجيتها بحيث تعمل باتجاه تدعيم فكرة الدولة الحازمة والقوية لمواجهة القوى المنتجة للفوضى والمعيقة لبناء الدولة لأن فعلهم في نهاية الأمر متناقض مع مصالح الأمن الإقليمي والدولي، صحيح ان التحول قد يحتاج إلى فترة طويلة، إلا أن تفعيله من خلال سياسة صارمة تجاه الحلفاء وإقناعهم بأن المستحق للريع والمنح من المفترض فيه ان يكون ملتزما بالإستراتيجية المحققة للأمن والاستقرار.   والخلاصة أن تحويل المنتفع إلى قوة مستجيبة ومطيعة للسياسات الداعمة لهيبة الدولة هو الخيار المرحلي وتوسيع رقعة الحلفاء الساعين ليل نهار من أجل بناء الدولة حسب تصوري مهم جدا لمصالح السعودية حتى تتمكن اليمن من الخروج من المأزق أما المستقبل فلابد أن يكون متحيزاً كليا لعلاقات تحكمها كليا المؤسسات حتى يتمكن البلدان من بناء تكامل يوحد القوة والإرادة لتكون دول الجزيرة العربية هي مركز الانطلاق للمشروع الحضاري العربي الإسلامي.




جميع الحقوق محفوظه لدى صحيفة الوسط 2016 

التصيميم والدعم الفني(773779585) AjaxDesign